يبدو الباحث إلياس بنعمر من خلف المنصة الخشبية وعنقه يشرئبّ نحو لجنة التحكيم خجولا وهادئا لكنه واثق من نفسه، لكن الاكيد ان شيئا من الرهبة تسلل اليه وهو الباحث الذي استيقظ مبكرا، بعد ان قضى ليلة 27 ابريل 2026 يحلم كيف سيدافع عن اطروحته امام اللجنة..

شيء بل أشياء ساهمت في تخفيف حدة المشهد.. رصيده المعرفي المتزن وأخوه واصدقاؤه الذين سبقوه الى مدينة مدريد ليكونوا السند والدعم اللازمين في مثل هذه اللحظات..

سبقه إلى القاعة حبا واحتراما شقيقه الأستاذ سريح بنعمر نائب وكيل الملك بمدينة الدريوش، ورغم إكراهات العمل طار من مدينة الناظور إلى مدريد ليقول له، أنا هنا الى جانبك في هذه اللحظات التي أرادنا والدنا رحمه الله أن نكون جنبا الى جنب في السراء والضراء.

الاخوة ايضا من لم تلدهم أمك، وهذا حال الدكتور إلياس بنعمر مع صديقه المحامي الدكتور محمد بلفقيه، الذي حرص على ان يكون إلى جانبه في هذه اللحظات مرفوقا بابنه امير، ويعضدهم في هذه الخطوات الأخوية الدكتور نور الدين اشحشاح وثلة من الأصدقاء والرفاق الذين يحترمون البحث الجامعي وقدسيته ورمزية ان يكونوا إلى جانب صديقهم، الذي فقد منذ اسابيع فقط والده الذي أهداه هذا البحث.. هذا هو الأثر الطيب الذي يتركه الأبناء لآبائهم مخلدين أسماءهم في رحاب الجامعة وفي كتب تتحول الى مرجع فكري..

الياس بنعمر شابٌّ من الريف المغربي يقف بثقة واتزان على منبر مدريد، بين أعلام المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، مشهد يختصر رسالته كاملة. في هذه اللحظة، لم يكن إلياس بنعمر يدافع عن أطروحة فحسب، بل عن حلم بدأ في الريف وأكتمل في قلب العاصمة الإسبانية. ابن الريف على منبر مدريد والعلم وحده هو الذي أوصله.

هكذا ناقش الباحث المغربي إلياس بنعمر، صباح يوم الاثنين 27 أبريل 2026، أطروحته للدكتوراه التي انكبت على “التعاون الإسباني-المغربي في المجال الثقافي: التطور وآفاق المستقبل”، وذلك بقاعة المناقشات رقم 151 في حرم مستولِس بجامعة الملك خوان كارلوس بمدريد، تحت إشراف الدكتورة إيلينا كارولينا دياز جالان. وقد توّج الباحث مسيرته الأكاديمية بحصوله على درجة الدكتوراه بميزة “حسن جداً”، في حضور ممثلين دبلوماسيين وأكاديميين.

رحلة بحثية بين ضفتَي المتوسط
لا تنفصل هذه الأطروحة عن المسار الشخصي لصاحبها؛ إذ تنبع من تجربة حياتية عاشها الدكتور إلياس بنعمر على الجانبين، مغربياً يدرس ويبحث في إسبانيا ويكتب بلغتها.
وقد أهدى عمله إلى روح والده، في إشارة تكشف عن عمق الدافع الإنساني الذي يسكن هذا البحث العلمي. وقد أشادت المشرفة على الأطروحة بما وصفته بـ”الثبات والصرامة والقيم الإنسانية” للباحث، مستشهدةً بمنشوراته في مجلات علمية ذات أثر وانخراطه في جمعيات ثقافية متعددة. من الحماية إلى الشراكة: قراءة في مسار تاريخي طويل تمتد الأطروحة زمنياً من نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم، متتبعةً مسيرة التعاون الثقافي بين المغرب وإسبانيا عبر محطاتها الكبرى: من حقبة الحماية الإسبانية، مروراً بمرحلة الاستقلال وبناء الدولتين، وصولاً إلى الشراكة المتعددة الأوجه التي تجمعهما اليوم في إطار أوروبي-متوسطي.
ويُجادل الباحث بأن العلاقة بين البلدين شهدت تحولاً جوهرياً: من نموذج استعماري هرمي قائم على الهيمنة الثقافية، إلى شبكة تعاون متعددة الأبعاد تقوم على الشراكة والتبادل والمصالح المشتركة.

منهجية متعددة التخصصات وإطار نظري طموح
اعتمد الباحث منهجية نوعية تجمع بين التحليل التاريخي والقانوني والملاحظة الثقافية، مستعيناً بمصادر أولية وثانوية متنوعة. وعلى الصعيد النظري، أجرى الأطروحة في حوار مع كبار المفكرين في هذا المجال، من نظرية صدام الحضارات عند هنتنغتون، إلى بدائل الحوار الحضاري، مروراً بمفهومَي الدبلوماسية الثقافية والدبلوماسية الموازية. وتنتظم الأطروحة في أربعة فصول: يُنظّر الأول للعلاقات الثقافية والدبلوماسية الموازية، فيما يرصد الثاني المسار التاريخي للتعاون منذ الحماية.
ويتناول الفصل الثالث دور المؤسسات الثقافية الكبرى كمعهد سرفانتس والوكالة الإسبانية للتعاون الدولي ومؤسسة الثقافات الثلاث للبحر الأبيض المتوسط، فضلاً عن تعليم اللغة الإسبانية والتكوين المهني. ويُختتم العمل بفصل رابع يُبرز دور المجتمع المدني والشبكات الأكاديمية بوصفهما فاعلاً محورياً في تعميق هذه الشراكة.
خلاصات تدعو إلى إعادة النظر في مفهوم الدبلوماسية
خلصت الأطروحة إلى أن الثقافة ليست نشاطاً هامشياً بل ركيزة استراتيجية سيادية في العلاقات الثنائية بين البلدين، لا يمكن اختزالها في أدوات السياسة الخارجية التقليدية. كما أكد الباحث أن اللغة الإسبانية تشكّل جسراً حقيقياً للتقارب والإشعاع الدولي المشترك، وأن المجتمع المدني يؤدي دور الوسيط الفاعل في تعزيز الحوار وبناء الجسور حتى في أوقات التوتر الدبلوماسي.
غير أن الباحث لم يُغفل العقبات القائمة، إذ أشار إلى التفاوتات الهيكلية بين البلدين، والحواجز اللغوية، وعدم التكافؤ في الموارد، ومخاطر توظيف الثقافة أداةً للمناورة السياسية في سياقات الأزمات الدبلوماسية.
لجنة المناقشة: عمل جدير بالنشر

أبدى أعضاء لجنة المناقشة إشادة واسعة بالعمل، واصفين إياه بالصلابة العلمية والدقة المنهجية والأهمية البالغة في حقل العلاقات الدولية، مُنوّهين بشكل خاص بجرأة الباحث في الكتابة الأكاديمية بغير لغته الأم. وأوصت اللجنة بالإجماع بنشر الأطروحة بعد دمج التوصيات المقترحة، والتي تشمل تعميق المقابلات مع فاعلين ميدانيين، وإعادة توجيه الإطار النظري نحو مفهوم “القوة الناعمة” لجوزيف ناي، وتوحيد المصطلحات التقنية بين “الدبلوماسية الثقافية” و”التعاون الثقافي”، وإدراج تحليل حول الاستدامة وعلاقتها بالثقافة.

وفي ردّه على ملاحظات اللجنة، أكد الدكتور إلياس بنعمر التزامه بدمج هذه التوصيات في النسخة النهائية، مُجدِّداً إيمانه بأن التعاون الثقافي يظل المساحة الأكثر أماناً للحوار، والرابط الأمتن الذي يصمد في وجه الأزمات. يأتي هذا الإنجاز الأكاديمي تأكيداً على أن الجسور الثقافية بين المغرب وإسبانيا ليست مجرد موضوع للبحث، بل هي واقع يتجسّد في مسيرات أفراد يحملون في أرواحهم ضفتَي المتوسط معاً، والدكتور إلياس بنعمر واحد من هؤلاء.