مثلما تألق الصحافي الألمعي والمفكر اغناسيو رامونيه، كذلك تألقت الصحافية نرجس الرغاي في تقديمه لجمهوره ومحبيه في ندوة استثنائية نظمتها يومية البيان في المكتبة الوسائطية التابعة لمسجد الحسن الثاني.
جريدة النيويورك تايمز سرحت صحافيا، لأن قارئة أدركت أن ما كتبه الصحافي الأمريكي مقتبس من تقرير للغارديان في بريطانيا، وما حدث بعدها أن الصحافي الأمريكي اعترف أنه طلب من شات بوت أن ينجز له تقريرا، وكما تعرفون، يضيف الصحافي اغناسيو رامونيه أن ما قام به الذكاء الاصطناعي أنه قرأ كل ما كتبه عن المادة موضوع المقال وقام بعمل تركيبي نشره الصحافي على أساس أنه انتاجه والحال أنه عمل تركيبي جزء منه مقتبس من مقال الغارديان.
يكفي أن تطلب من الذكاء الاصطناعي اليوم أن يقرأ لك كل ما ألفه الكاتب إميل زولا في مجلدات، كي يقدمه لك في تقرير خلال دقيقتين.. الأكيد أن الذكاء البشري يمكنه أن يقوم بنفس العمل، لكن ليس في ظرف دقيقتين، وهذا معناه أن الذكاء الاصناعي أو الآلة تهدد الانسان. إن أشهر الأغاني اليوم ينتجها الذكاء الاصطناعي، ونحن راضون عنها !
الآلات اليوم تعوض الإنسان في السكك الحديدية وفي شركات صناعة السيارات والطرقات والقنوات، والمثير أنه تقوم بهذا العمل بكثير من الدقة والملاحظة وتنجز عملا متكاملا، وهذا يشكل صدمة لمهن من بينها الصحافة. إن العديد من التعاليق عن أكبر المباريات الأمريكية، كتبت من طرف « شات بوت » الذكاء الاصطناعي، بمعنى أنه تم تعويض الصحافي بالآلة.
العديد من القطاعات الصحافية عوضتها « شات بوت « الذكاء الاصطناعي، وهذا شكل صدمة.. نعطي الذكاء الاصطناعي عدد الأهداف التي تم تسجيلها وأربع مؤشرات عن اللعبة والآلة تعطيك في أي اتجاه تنحو المباراة.
لقد قيل سابقا أن الترجمة مستحيلة على الآلة، بدعوى أن جينات اللغة تجعل من المستحيل على من لا ينتمي للغة بعينها أن يترجم بشكل جيد، لكن الذكاء الاصطناعي برهن أن هذا غير صحيح.
إن المعارك والحروب اليوم تحسم بالذكاء الاصطناعي، وأروبا غير حاضرة في هذا الرهان، ولا حتى الهند ولا روسيا.. إنها معركة حكر على دولتي امريكا والصين.
لقد منعنا الصحافة الفرنسية من الرأي الروسي، نفس الشي في الصحافة الروسية التي لا تعرف أي شيء عن الرأي الاوكراني والفرنسي والبريطاني، لا تعلم أي شيء ولا صوت لها !!
نحن امام تحدي، الصحافة ليست بخير وليست الذكاء هو من أربكها، ما حدث أن عالم الاخلاقيات انهار والخلط المستمر تفاقم.. الوضع لم يكن جيدا، ولنكون ايجابيين، المجتمع في حاجة لصحافة مهنية جادة، نحن نحتاج لمنارة مثل هذه التي يملكها المسجد، حيث نتحدث اليوم في مكتبته.. سيكون مؤسفا ان يضيع دور الإعلام، نحتاج لبناء لصحافة مرتبطة بالحقيقة.
وأضاف الصحافي رامونيه، أن الحاجة إلى الصحافة اليوم أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، معتبراً إياها منارة ضرورية لإنارة واقع عالمي يتسم بالتعقيد والتداخل.
وشبّه رامونيه أثر الذكاء الاصطناعي على الصحافة بأثر مطبعة غوتنبرغ، معتبراً أن ما نعيشه ليس مجرّد تحوّل تقني بل ثورة صامتة تعيد تعريف علاقة الإنسان بالحقيقة ذاتها.
رسم رامونيه أولاً تاريخاً طويلاً لعلاقة الإعلام بالحقيقة. فقد ظلّت الصحافة طويلاً إعلام رأي موجّهاً لأقلية متعلّمة، ولم يأخذ مفهوم “الجماهير” معناه المعاصر إلا بعد خمسينيات القرن العشرين واستحضر كتابَيْن مؤسِّسَيْن في هذا السياق: كتاب والتر ليبمان عن “الرأي العام” (1922) ثم كتاب إدوارد بيرنيز “بروباغاندا”، اللذَيْن فتحا الطريق أمام ما سمّاه لاحقاً نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان بـ”صناعة الإذعان”. وذكّر بأن النازية نفسها فهمت باكراً قوة الإذاعة كوسيلة قادرة على مخاطبة كل فرد والجميع في آن واحد
ثم انتقل رامونيه إلى الحاضر، حيث يقف الذكاء الاصطناعي في مقدّمة التحولات التكنولوجية التي تزعزع الصحافة. وتحدّث عن انتقال الصحافة من مرحلة “ما قبل الحقيقة” — أي الحقبة السابقة للحربين العالميتين، إلى مرحلة “ما بعد الحقيقة” وكأن السعي الصارم نحو الحقيقة لم يكن سوى قوس قصير في التاريخ الطويل للمعلومة.
لاحظ رامونيه أن الخوف من المراقبة الذي يُثار كثيراً يُخفي حقيقة أبسط: نحن أنفسنا من نعرّض حياتنا. هواتفنا الذكية وشبكاتنا الاجتماعية وافتتاننا بمجتمع الاستعراض تجعلنا مليارات من “الإخوة الصغار” في خدمة “الأخ الأكبر” وهو بذلك يمزج بين رؤيتَي جورج أورويل وألدوس هكسلي، عالم لم يعد التحكم فيه يمرّ عبر الإكراه فحسب، بل عبر الموافقة والمتعة أيضاً.
واعتبر رامونيه أن محاولة مقاومة الذكاء الاصطناعي في حد ذاته ليست الخيار الصحيح، ودعا بدلاً من ذلك إلى التركيز على تعزيز جودة المعلومة والارتقاء بالممارسة الصحفية وشدّد على أن الرهان الحقيقي يكمن في بناء صحافة رصينة تقدّم محتوى دقيقاً ومنظّماً وقابلاً للفهم يخدم مصلحة المواطنين.
وحذّر من الانعكاسات الخطيرة للتضليل الإعلامي على الأنظمة الديمقراطية، مستحضراً نماذج حديثة لحملات سياسية طغت عليها الأخبار الزائفة والتلاعب بالمعطيات.
كما ختم رامونيه محاضرته بسؤال معلّق: ماذا يصبح مصير الحقيقة حين تتعلّم الآلات أن تفكّر مكاننا؟ليس المقصود نهاية الصحافة، بل نهاية يقينياتها.
الصحافي الألمعي والمفكر اغناسيو راموني هو عالم سيميولوجيا وصحفي إسباني، نشأ في طنجة حيث استقرّ والداه الجمهوريان الإسبانيان هرباً من الفرنكوية، ثم درّس في الكوليج الملكي بالرباط حيث كان الملك محمد السادس من بين تلامذته وهو المدير السابق لجريدة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية ويدير حالياً نسختها الإسبانية.