محاضرة لوركا في كلية الآداب والعلوم الانسانية في مرتيل
ثقافة و فن

حينما استرجعت الجامعة في تطوان روح الشاعر لوركا

في مدينة كتطوان، حيث تنام غرناطة في أحلام أزقتها، وحيث لا يزال الأندلسي يتردد صدى في كل قوس وكل نافورة، يحلو الاستقبال، ويعظم المعنى وتحضر ذاكرة لوركا.

نحن اليوم لا نستقبل محاضرةً عابرة، بل نفتح نافذة على روح، روح شاعر قال يوما عن غرناطة ذاتها: »كانت نكبة، حضارة رائعة، وشعر، وفلك، وعمران، ورقة شعورٍ فريدةٌ في العالم… ضاعت كلّها. »

قالها لوركا قبل أسابيع من اغتياله، وكأنه كان يرثي نفسه قبل أن يرثي غرناطة. كان فيدريكو غارثيا لوركا يعرف قدره مبكراً، كتب وهو في عزّ شبابه: “لم أشعر بالقلق والخوف حينما وُلدت، ولن أشعر بهما حين أموت.”

وكتب في موضع آخر وهو يحلم بنهايةٍ أهدأ مما كان ينتظره: “خليلي، أريد أن أموت بريئاً على سريري الفولاذي.” لكنّ القدر لم يمنحه ذلك. في صيف 1936، في غرناطة التي أحبّها وخاف عليها، أسكت رصاصٌ أعذبَ صوتٍ أنجبته إسبانيا في القرن العشرين.


كان عمره ثمانية وثلاثين عاماً فقط. ظنّوا أنهم يقتلون شاعراً، فإذا بهم يُطلقونه إلى الأبد. ولم يُعثر على جسده حتى اليوم.

لكنّ قصائده وُجِدت في كلّ مكان. لوركا كان يعرف أن الكلمة سلاح لا يُصادَر، قال: »لا يمكن الشعور بالحقيقة حين تكون منغلقة على نفسها، لكنها كم تتضخّم وتزعق بالإفصاح عنها.” وزعقت حقيقته بعد موته أكثر مما زعقت في حياته.

ترجمه الشعراء العرب، السيّاب والبياتي وأدونيس، كأنهم كانوا يعرفون أن هذا الغرناطي يكتب عنهم هم أيضاً، عن كلّ من عاش بين رصاصة وقصيدة. قال أيضاً في مرثية صديقه: “لن يعرفك الثور ولا شجر التين، ولن تعرفك الخيول ولا النمال، لأنك رحلتَ إلى الأبد.” لكنّ لوركا نفسه، يا لمفارقة القدر، عرفه الثور وشجر التين والخيول والنمال، وعرفته تطوان، وعرفته تنظيان. لأنه لم يرحل إلى الأبد، بل رحل إلى كلّ مكان. وفي غرناطة ذاتها، في المدينة التي تحمل جرح لوركا وتُشفى منه في آنٍ واحد، نشأ رجلٌ آثر أن يتعلّم لغة الضفّة الأخرى قبل أن يتكلّم عن الجسر.

لم يأتِ إلى العربية من باب الكتب وحدها، بل سافر إلى قلبها، حمل منحةً دراسية وذهب إلى بغداد، ثم أقام في القاهرة، ثم تنفّس هواء تونس، كأنه كان يبحث عمّا دفنه لوركا في قصيدة، سر لا يُفكّ إلا بمن يعرف الضفّتين معاً.

عاد إلى غرناطة دكتوراً في الفيلولوجيا السامية، وباحثاً في المجلس الأعلى للبحوث العلمية الإسباني، ثم مديراً لمدرسة الدراسات العربية، تلك المدرسة التي تقف في قلب غرناطة كأنها تقول: الأندلس لم ترحل، بل تحوّلت إلى علم.

كتب أكثر من مئة مؤلَّف، بين الكتب الأكاديمية الرصينة والمؤلَّفات التي يقرأها المواطن العادي، وكان من بينها “في البحث عن غرناطة الأندلسية”، و”متن النقوش الكتابية للحمراء والجنراليف” الذي نال جائزة أفضل إصدار جامعي في إسبانيا عام 2016. وقف أمام كاميرات BBC وCNN ليروي للعالم سرّ الحمراء، وترأّس أثيناوم غرناطة سبع سنوات، منبراً يجمع الفكر والأدب والحوار.

ومنذ عام 2025، أسندت إليه ديوانية لوركا أمانتها الكبرى: إدارة مؤسسة باترونالو فيدريكو غارثيا لوركا، ليس لأنه يحفظ قصائده فحسب، بل لأنه يفهم، ويا لعمق هذا الفهم، لماذا كان الرصاص يخاف منها.

وكان لوركا يقول: “إني أرى عند الأصائل حشداً من البشر يمشي فوق قلبي.” أيّها السادة، نحن اليوم ذلك الحشد. نحن من يمشي فوق قلبه، نحن من يُثبت أن ما أخطأه الرصاص ذات صيف لا تُخطئه الذاكرة، ولا تُخطئه تطوان.

جاء ضيفنا اليوم إلى تطوان، لا كزائرٍ يرى، بل كعارفٍ يتذكّر، جاء ليُفصح عن الحقيقة التي قال لوركا إنها تزعق حين تُفصح، جاء ليجعل غرناطة تتعرّف على نفسها في مرآة تطوان. فمرحباً بحارس الإرث، مرحباً بالجسر الحيّ بين غرناطة وتطوان، مرحباً بالدكتور خوان كاستيا برازاليس، مرحباً بمن يجعل لوركا يتكلم… بعد أن صمت الرصاص.

في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل. كان للبوح والتذكر أكثر من معنى، أتحفنا الدكتور خوان برازليس بصور وقصص وذكريات شاعر فوق العادة، جمع بين المسرح والموسيقى والشعر والنضال، لدرجة أزعجت ملكاته غير عادية الحاكم فأمر باعدامه!

في هذه المحاضرة القيمة التي نظمها وسهر عليها الدكتور عبد الرحمان فتحي، ضمن أنشطة ماستر المغرب، إسبانيا وأمريكا اللاتينية تواصل وديبلوماسية، ستتابعون كيف يصبح للكلام معنى وكيف تتوالى الخطوات في مدينة تطوان التي صنفت كثرات عالمي، فبعد أن اقتفى الأستاذ فتحي أثر سرفانتس وجعل الزائر يستمتع وهو ينتقل بين الدروب الضيقة للمدينة القديمة، انطلاقا من باب العقلة وقبلها أمام شاطئ مرتيل، وكيف يعرج على أقدم سور في مدينة تطوان وكيف يكلم الحجر والشجر والمقابر التي شهدت على الأثر الادبي والتاريخي الذي تركه الكاتب الشهير ميغيل دي سرفانتس، صاحب رواية دون كيشوت، ها هو اليوم في نهاية المحاضرة يقتفي أثر لوركا.

لم يزر سرفانتس تطوان جسديا، فقد كان اسيرا في الجزائر بين عامي 75 و80، لكن تطوان حضرت بقوة في خياله واعماله الادبية، لدرجة انه ذكرها عشر مرات في مؤلفاته، في مسرحية « قاضي الطلاق » ورواية « دون كيشوت ».

واذا كان مسار سرفانتس مسار ثقافي ادبي تخييلي وتاريخي يمر عبر اماكن بعينها في المدينة العتيقة لتطوان، فإن لوركا زار فعلا تطوان ما بين 26 و30 دجنبر 1931 بصفته السكرتير الشخصي لوزير التعليم العمومي الاسباني حينئذ، فرناندو دي لوس ريوس، خلال عهد الجمهورية الاسبانية الثالثة.

تجول لوركا بهذه الصفة في أزقة تطوان القديمة وقد أسرته بسحرها الأندلسي هو الذي كان مغرما به، وقد شملت رحلته شفشاون والعرائش والقصر الكبير ومليلية.

هذا ما يكشف عنه كتاب الباحث الاسباني ميغيل كاباييرو بيريث، تحت عنوان « لوركا في افريقيا: يوميات رحلة الى منطقة الحماية الاسبانية في المغرب. 1931 ».

فرقة لوركا التي حملت اسم« لاباراكا » زارت ايضا تطوان سنة 1934، وقدمت عروضا في المسرح الوطني بشارع لونيتا.

هذه جزء من ملامح لوركا العالم العربي والمغرب وتطوان.. انها جزء من التقاطعات الثقافية بين المغرب واسبانيا التي يجيد الدكتور فتحي التقصي فيها وتحويلها إلى معالم مدينة تأسر العالم كثرات وككيان أندلسي شاهد على التاريخ. أن تقتفي طريق سرفانتس ولوركا، معناه ان تقتفي الابيض الناصع، والازرق الشفشاوني، وظلال الازقة، وان تشتم رائحة الزهر في اشجار البرتقال، وتتوقف عند « سوق الغزل »، وساحة الفدان، وان تنتبه للتداخل بين الموسيقى الاندلسية وموسيقى « الكانتي خوندو » الاسبانية، تلك الجذور المشتركة لعمق التراب المتوسطي والافريقي والانساني عموما..

هنا تكمن جزء من قوة الدكتور فتحي.

جميع الحقوق محفوظة لموقع فبراير 2026 ©